عماد الدين الكاتب الأصبهاني

مقدمة 67

خريدة القصر وجريدة العصر

( صور تقوم بها معان منكم * إنّ المعاني زائنات للصّور دقت لمعنى السّحر ، إلّا أنّها * راقت ورقّت مثل أنفاس السّحر ) وهذان البيتان الأخيران ، وهما من الوصف البارع النادر ، يصفان فن العماد ويجملان وجهته فيه إلى المزج بين الطبع والصنعة الدقيقة ، والاحتفال بالمعنى والصورة ، ولا بدّ - لتكامل الفن - من تكافئهما . وقد أحسّ الصفدي ظاهرة الجمال هذه في شعر العماد ، فآثره على نثره ، وقال : « أرى أن شعره ألطف من نثره » ، وحصر علّة ذلك في إكثاره الجناس في نثره . وأما النظم فقد كان الوزن فيه - كما يقول - يضايقه فلا يدعه يتمكن فيه من الجناس . وهذا وجه واحد من الوجوه التي يمكن أن تذكر في تفضيل شعر العماد على نثره ، وليس كل ما يقال فيه . ولعلّ أهم ما يبدو في ذلك من الأسباب هو جودة طبعه الشعري ، وسماحة قريحته ، وانسياقه في مذاهب الفصاحة والرقة والسلاسة ، وما يمده في ذلك من رصيده الضخم : من حفظ دواوين العرب ، وإدمانه قراءة الشعر البليغ ، وقراءته دواوين بكاملها على أصحابها أو أبنائهم أو غيرهم من الأدباء كما روى من قراءته على الحيص بيص ديوانه وعلى ابن الأرجانى ديوان أبيه وعلى الأديب النّطنزيّ أكثر شعر أبي المظفر الأموي الأبيورديّ ، وكذلك شدة اتّصاله بشعراء عصره وروايته أشعارهم على نحو ما ترى من كثرة ما أودعه في خريدة القصر من كلام الشعراء الذين لقيهم في فارس والعراق والحجاز والشام ومصر . وهي أشياء واضحة عند العماد فيما يبدو من طول نفسه في قصائده ، واتّساعه في أفكاره وعباراته في غير اجتلاب ولا تكلّف ، وانكشاف معانيه مع استواء لغته ومتانتها وشدة قوافيه أحيانا ، وقدرته على ارتجال الشعر المطبوع المصنوع مع الإجادة التامة فيه .